استرجاع كلمة المرور :: تفعيل العضوية :: طلب كود تفعيل العضوية :: مركز التحميل :: قوانين الموقع  
   

العودة   سوق الدوحة > المنتديات العامه > المنتدى العام


المنتدى العام منتدى للمواضيع العامه

قرطبة دار العلوم .. د/ راغب السرجاني

[IMG]http://i30.************/jiyzk0.gif[/IMG] في عمق التاريخ.. وفي غابر الزمن.. وفي أرض حُجبت فيها شمسُ العلم والحضارة بغيمٍ كثيف من ظلمات الجهل والتخلف. وسط كل ذلك.. وامتدادًا لحضارة إسلامية إنسانية، طالت السماء وناطحتها؛ علمًا وقِيَمًا ومجدًا.. بزغ نجم مدينة قرطبة، كشاهدٍ حي على ما وصلت إليه حضارة المسلمين وعزّ الإسلام في ذلك الوقت ...

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  رقم المشاركة : 1  
قديم 31-07-2013, 08:10 PM
عضو نشط
slaf elaf غير متواجد حالياً
 





عدد التعليقات: 0 تعليق
حدث بيانات الدوله!
افتراضي قرطبة دار العلوم .. د/ راغب السرجاني



[IMG]http://i30.************/jiyzk0.gif[/IMG]




في عمق التاريخ.. وفي غابر الزمن.. وفي أرض حُجبت فيها شمسُ العلم والحضارة بغيمٍ كثيف من ظلمات الجهل والتخلف.


وسط كل ذلك.. وامتدادًا لحضارة إسلامية إنسانية، طالت السماء وناطحتها؛ علمًا وقِيَمًا ومجدًا.. بزغ نجم مدينة قرطبة، كشاهدٍ حي على ما وصلت إليه حضارة المسلمين وعزّ الإسلام في ذلك الوقت من التاريخ، وهو منتصف القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي).. يوم أن كانت أوربا تغطّ في جهل عميق.


قرطبة.. ذلك الاسم الذي طالما كان له جرس معين، ووقع خاص في الأذن الإسلامية.. بل وفي أذن كل أوربي آمن بالنهضة والحضارة الإنسانية.


قرطبة.. تلك المدينة التي ينسب إلى عبد الرحمن الناصر أنه قال فيها:


هِمَم الملوك إذا أرادوا ذِكْرَهَا مـن بَعْدهـم فَبِألْسُن البنيان
أَوَ ما تَرَى الهرمَيْن قد بقيا وكم مَلِكٌ محاه حوادث الأزمـان
إن البنـاء إذا تعاظـم شأنه أضحى يَدُلّ على عظيم الشان

والتي أنشد أبو البقاء الرندي يرثيها:

وأين قرطبة دار العلوم فكم من عالمٍ قد سَمى فيها له شان؟!!


وتلك هي الحقيقة.


ولنبدأ بالبداية..

فهي مدينة تقع على نهر الوادي الكبير، في الجزء الجنوبي من إسبانيا.. وقد أرَّخت لها موسوعة المورد الحديثة فقالت: "أسسها القرطاجيون فيما يعتقد، وخضعت لحكم الرومان والقوط الغربيين"[1]

وقد قام بفتحها القائد الإسلامي طارق بن زياد، وذلك سنة (93 هجرية - 711 ميلادية).
ومنذ ذلك العهد بدأت مدينة قرطبة تخط لنفسها خطا جديدًا وملمحًا مهمًا في تاريخ الحضارة.. فبدأ نجمها في الصعود كمدينة حضارية عالمية، لاسيما في عام 138هـ / 756م، عندما أسس عبد الرحمن الداخل (صقر قريش) لقيام الدولة الأموية في الأندلس، وذلك بعدما سقطت في دمشق على أيدي العباسيين.


وفي عهد عبد الرحمن الناصر (أول خليفة أموي في الأندلس) ومن بعده ابنه الحكم المستنصر، بلغت قرطبة أوج ازدهارها، وقمة ريادتها وحضارتها، خاصة وأنه اتخذها عاصمة لدولته الفتية، ومقرًا له كخليفة للمسلمين في العالم الغربي.. وقد جعل منها منبرًا للعلوم والثقافة والمدنية.. حتى غدت تنافس القسطنطينية عاصمة الإمبراطورية البيزنطية في قارتها، وبغداد عاصمة العباسيين في المشرق، والقيروان والقاهرة في إفريقيا.. وحتى أطلق عليها الأوربيون "جوهرة العالم"..!!
وقد شمل اهتمام الأمويين بقرطبة اهتمامهم كذلك بنواحي الحياة المختلفة فيها، من زراعة وصناعة، وبناء الحصون، ودور الأسلحة وغيرها.. وقد شقوا الترع وحفروا القنوات، وأقاموا المصارف، وجلبوا للأندلس أشجارًا وثمارًا لم تكن تزرع فيها..!!


معالم من قرطبة

في هذه السطور القادمة سنتعرف على بعض مظاهر الرقي والحضارة التي تميزت بها الأندلس عامة، وقرطبة خاصة؛ لنقف على الإسهامات الإسلامية لمسيرة الإنسانية.


قنطرة قرطبة:

كان من المعالم المهمة في قرطبة "قنطرة قرطبة"، والتي تقع على نهر الوادي الكبير، وقد عرفت باسم "الجسر" وأيضًا "قنطرة الدهر"، وكان طولها سبعةً وثلاثين مترًا تقريبًا، وعرضها ثمانون ذراعًا (الذراع يساوي 46.2 سم)، وارتفاعها ستون ذراعًا!!


وقد وصفها ابن الوردي فقال: وبمدينة قرطبة القنطرة العجيبة التي فاقت قناطر الدنيا حسنًا وإتقانًا، وعدد قسيها سبعة عشر قوسًا، كل قوس منها خمسون شبرًا وبين كل قوسين خمسون شبرًا[2].


ووصفها الإدريسي فقال: ولقرطبة القنطرة التي علت القناطر فخرًا في بنائها وإتقانها، وعدد قسيها سبع عشرة قوسًا، بين القوس والقوس خمسون شبرًا، وسعة القوس مثل ذلك خمسون شبرًا، وسعة ظهرها المعبور عليه ثلاثون شبرًا، ولها ستائر من كل جهة تستر القامة، وارتفاع القنطرة من موضع المشي إلى وجه الماء في أيام جفوف الماء وقلته ثلاثون ذراعًا، وإذا كان السيل بلغ الماء منها إلى نحو حلوقها، وتحت القنطرة يعترض الوادي رصيف سد مصنوع من الأحجار القبطية والعمد الخاشنة من الرخام، وعلى هذا السد ثلاث بيوت أرحاء، في كل بيت منها أربعة مطاحن[3].


مسجد قرطبة:

يعتبر الجامع الكبير من أهم معالم قرطبة وآثارها الباقية إلى اليوم.. وهو يُسمى بالأسبانية Mezquita (وتنطق: ميتكيتا) وهي تحريف لكلمة (مسجد)، وقد كان أشهر مسجد بالأندلس (على اعتبار أنه الآن كاتدرائية)، ومن أكبر المساجد في أوربا..!!


وقد بدأ بناءه عبد الرحمن الداخل سنة 170هـ/ 786م ومن بعده ابنه هشام الأول.. وكان كل خليفة جديد يضيف لهذا الجامع ما يزيد في سعته وتزيينه.. ليكون أجمل المساجد في مدينة قرطبة، ومن أكبر المساجد وقت وجوده..!!


وفي وصف لهذا الجامع يقول صاحب الروض المعطار: وبها (بقرطبة) الجامع المشهور أمره الشائع ذكره، من أجلِّ مساجد الدنيا كبرَ مساحة، وإحكامَ صنعة، وجمالَ هيئة، وإتقان بنية، تهمم به الخلفاء المروانيون فزادوا فيه زيادة بعد زيادة، وتتميمًا إثر تتميم، حتى بلغ الغاية في الإتقان، فصار يحار فيه الطرف ويعجز عن حسنه الوصف، وليس في مساجد المسلمين مثله تنميقًا وطولاً وعرضًا!!


طوله مائة باع وثمانون باعًا، ونصفه مسقف ونصفه صحن بلا سقف، وعدد قسي مسقَّفه أربع عشرة قوسًا، وسواري مسقفه بين أعمدته وسواري قببه صغارًا وكبارًا مع سواري القبلة الكبرى وما يليها ألف سارية، وفيه مائة وثلاث عشرة ثريا للوقيد، أكبر واحدة منها تحمل ألف مصباح، وأقلها تحمل اثني عشر مصباحًا، وجميع خشبه من عيدان الصنوبر الطرطوشي، ارتفاع الجائزة منه شبر في عرض شبر إلا ثلاثة أصابع، في طول كل جائزة سبعة وثلاثون شبرًا، وبين الجائزة والجائزة غلظ الجائزة، وفي سقفه من ضروب الصنائع والنقوش ما لا يشبه بعضها بعضًا، قد أحكم ترتيبها وأبدع تلوينها بأنواع الحمرة والبياض والزرقة والخضرة والتكحيل، فهي تروق العيون وتستميل النفوس بإتقان ترسيمها ومختلفات ألوانها، وسعة كل بلاط من بلاط سقفه ثلاثة وثلاثون شبرًا، وبين العمود والعمود خمسة عشر شبرًا، ولكل عمود منها رأس رخام وقاعدة رخام.
ولهذا الجامع قبلة يعجز الواصفون عن وصفها، وفيها إتقان يبهر العقول تنميقها، وفيها من الفسيفساء المذهب والبلور مما بعث به صاحب القسطنطينية العظمى إلى عبد الرحمن الناصر لدين الله.. وفي جهتي المحراب أربعة أعمدة: اثنان أخضران واثنان زرزوريان، لا تُقوَّم بمال، وعلى رأس المحراب خَصّة رخام قطعة واحدة مسبوكة منمقة بأبدع التنميق من الذهب واللازورد وسائر الألوان، واستدارت على المحراب حظيرة خشب بها من أنواع النقش كل غريبة، ومع يمين المحراب المنبر الذي ليس بمعمور الأرض مثله صنعة، خشبه أبنوس وبقس وعود المجمر، يقال إنه صنع في سبع سنين، وكان صناعة ستة رجال غير من يخدمهم تصرفًا!!
وعن شمال المحراب بيت فيه عدد وطسوت ذهب وفضة وحسك، وكلها لوقيد الشمع في كل ليلة سبع وعشرين من رمضان، وفي هذا المخزن مصحف يرفعه رجلان لثقله فيه أربع أوراق من مصحف عثمان بن عفان رضي الله عنه الذي خطه بيمينه، وفيه نقطة من دمه، ويخرج هذا المصحف في صبيحة كل يوم، يتولى إخراجه قوم من قَوَمة الجامع، وللمصحف غشاء بديع الصنعة منقوش بأغرب ما يكون من النقش، وله كرسي يوضع عليه، فيتولى الإمام قراءة نصف حزب فيه، ثم يرفع إلى موضعه.


وعن يمين المحراب والمنبر باب يفضي إلى القصر، بين حائطي الجامع في ساباط متصل، وفي هذا الساباط ثمانية أبواب، منها أربعة تنغلق من جهة القصر وأربعة تنغلق من جهة الجامع، ولهذا الجامع عشرون بابًا مصفحة بصفائح النحاس وكواكب النحاس، وفي كل باب منها حلقتان في غاية الإتقان، وعلى وجه كل باب منها في الحائط ضروب من الفصّ المتخذ من الآجر الأحمر المحكوك، أنواع شتى وأصناف مختلفة من الصناعات والتنميق.


وللجامع في الجهة الشمالية الصومعة (المئذنة) الغريبة الصنعة، الجليلة الأعمال، الرائقة الشكل والمثال، ارتفاعها في الهواء مائة ذراع بالذراع الرشاشي، منها ثمانون ذراعًا إلى الموضع الذي يقف عليه المؤذن، ومن هناك إلى أعلاها عشرون ذراعًا، ويصعد إلى أعلى هذا المنار بدرجين: أحدهما من الجانب الغربي، والثاني من الشرقي، إذا افترق الصاعدان أسفل الصومعة لم يجتمعا إلا إذا وصلا الأعلى، ووجه هذه الصومعة مبطن بالكذّان منقوش من وجه الأرض إلى أعلى الصومعة، بصنعة تحتوي على أنواع من التزويق والكتابة.


وبالأوجه الأربعة الدائرة من الصومعة صفان من قسيّ دائرة على عقد الرخام، وبيت له أربعة أبواب مغلقة يبيت فيه في كل ليلة مؤذنان، وعلى أعلى الصومعة التي على البيت ثلاث تفاحات ذهبًا واثنتان من فضة وأوراق سوسنية، تسع الكبيرة من هذه التفاحات ستين رطلاً من الزيت، ويخدم الجامع كله ستون رجلاً، وعليهم قائم ينظر في أمورهم[4]. ا. هـ.

وقريب من ذلك يصفه ابن الوردي في كتابه (خريدة العجائب وفريدة الغرائب).
وقد كانت ساحته تملأها أشجار البرتقال والرمان، ليأكل منها الجائعون والقادمون إلى المدينة من شتى البقاع[5].
ومما يحزن له القلب وتدمع له العين أن هذا المسجد العظيم المهيب قد تحوّل عقب سقوط الأندلس إلى كاتدرائية، وأصبح تابعًا للكنيسة، مع احتفاظه باسمه، وتحولت مئذنته الشاهقة إلى برج تنتصب فوقه أجراس الكنيسة لإخفاء طابعها الإسلامي، كما لا يزال يعلو جدرانه المنيعة نقوشٌ قرآنية تعكس عبقرية فنية نادرة!! وهو الآن من أشهر المواقع التاريخية في العالم كله.. وتستطيع دخوله مقابل دفع 6 يورو..!!


وفي ذلك يقول إقبال يخاطبه:

إن أرضًا أنت فيـها لسمـاء للعيـون
كيف لم يسمع أذانًا أهلها مـنذ قرون؟


جامعة قرطبة:

لم يقتصر دور مسجد قرطبة على العبادة فقط، وإنما كان أيضًا جامعة علمية تُعد من أشهر جامعات العالم آنذاك، وأكبر مركز علمي في أوربا، ومن خلاله انتقلت العلوم العربية إلى الدول الأوربية، وعلى مدى قرون..!!


وكان يُدرس في هذه الجامعة كل العلوم، وكان يُختار لها أعظم الأساتذة.. وكان طلاب العلم يفدون إليها من الشرق والغرب على السواء، مسلمين كانوا أو غير مسلمين..!!
وقد احتلت حلقات الدرس والعلم أكثر من نصف المسجد، وكان للشيوخ راتبٌ جيد ليتفرغوا للدرس والتأليف، وكذلك أيضًا خصصت أموال للطلاب، ومكافآت ومعونات للمحتاجين..!!
وهو الأمر الذي أثرى الحياة العلمية بصورة ملحوظة في ذلك الوقت وفي تلك البيئة، واستطاعت قرطبة أن تخرج للمسلمين وللعالم الجم الخفير من العلماء، وفي جميع مجالات العلوم.

ذكرنا في مقال سابق أن قرطبة حباها الله بحكام ذوي شغف بالعلم وتقدير للعلماء، وبجامعة علمية تدرس فيها العلوم كافة وتضم أعظم العلماء ويفد إليها الطلاب من كل حدب وصوب. ولا غرو بعد أن يكون في قرطبة تلك الجامعة العريقة، وهؤلاء الحكام المهتمون بالعلم بهذه الدرجة الكبيرة أن تنجب قرطبة الكثير من العلماء، الذين كانوا شعلة مضيئة في سماء العلوم ومحراب الإنسانية.
وهذان مثالان رائعان لعلماء هذه الفترة العظيمة من فترات التاريخ الإسلامي.


أولاً: الزهراوي:

يُعد خلف بن عباس أبو القاسم الزهراوى، الأندلسي (325 -404هـ / 936 - 1013م) أشهر جراح، وطبيب، وعالم بالأدوية وتركيبها في ذلك الوقت.
وقد ولد الزهراوي بالزهراء، من ضواحي مدينة قرطبة، ونشأ بها، وتعلم الطب بجامعة قرطبة علي أيدي أطبائها.. وقد برع فيه حتى أصبح طبيب الخليفة الأموي، الحكم الثاني!!
وللزهراوي في الطب إنجازات وإبداعات علمية صارت حديث العلماء في الشرق والغرب في عصره وبعد عصره.. فهو أول من أسس علم الجراحة العامة في العالم، وأول من مارس الجراحة بيديه من بين الأطباء العرب السابقين له والمعاصرين؛ فقد كان الحجامون هم الذين يقومون بالعمليات الجراحية تحت إشراف الأطباء الباحثين كعلماء في الجراحة[1].


كما يعد الزهراوي أول رائد لفكرة الطباعة في العالم؛ فلقد خطا الخطوة الأولى في صناعة الطباعة، وسبق بها الألماني يوحنا جوتنبرج بعدة قرون، وقد سجل الزهراوي فكرته عن الطباعة ونفذها في المقالة الثامنة والعشرين من كتابه الفذ "التصريف".


ففي الباب الثالث من هذه المقالة، ولأول مرة في تاريخ الطب والصيدلة يصف الزهراوي كيفية صنع الحبوب (أقراص الدواء)، وطريقة صنع القالب الذي تصب فيه هذه الأقراص أو تحضر، مع طبع أسمائها عليها في الوقت نفسه باستخدام لوح من الأبنوس أو العاج مشقوق نصفين طولاً، ويحضر في كل وجه قدر غلظ نصف قرص، وينقش على قعر أحد الوجهين اسم القرص المراد صنعه، مطبوعًا بشكل معكوس، فيكون النقش صحيحًا عند خروج الأقراص من قالبها؛ وذلك منعًا للغش في الأدوية، وإخضاعها للرقابة الطبية[2].


ويعد الزهراوي أيضًا المبتكر الأول لعملية القسطرة، وصاحب فكرتها والمبتكر لأدواتها.. وقد وصف عملية غسل المثانة وأدخل إليها بعض السوائل المطهرة بواسطة الآلات.. وابتكر الزهراوي كذلك آلة دقيقة جدا لمعالجة انسداد فتحة البول الخارجية عند الأطفال حديثي الولادة؛ لتسهيل مرور البول.. كما نجح في إزالة الدم من تجويف الصدر، ومن الجروح الغائرة كلها بشكل عام.


وفي الجراحة العامة يعد الزهراوي أول من أجري عملية شق القصبة الهوائية "تراكيو ستومي" علي خادمه، ونجح فيها، وكان الأطباء قبله، مثل ابن سينا والرازي، قد أحجموا عن إجرائها لخطورتها.

والزهراوي كذلك هو أول من نجح في إيقاف نزيف الدم أثناء العمليات الجراحية، وذلك بربط الشرايين الكبيرة، وسبق بهذا الربط سواه من الأطباء الغربيين بستمائة عام.. والعجيب أن يأتي من بعده من يدعي هذا الابتكار لنفسه، وهو الجراح إمبراطور باري عام 1552 م!!


والزهراوي هو أول من استخدم خياطة الجراح بإبرتين، وبخيط واحد مثبت فيهما.!!


وهو أخيرًا أول من ابتكر التدريز، أو التخطيط المثمن في جراحات البطن.. وأول من مارس تخييط الجراح من الداخل, كي لا تترك أثرا مرئيا للجراح، وقد أطلق علي هذا العمل اسم "إلمام الجروح تحت الأدمة".. وبذلك يعد الزهراوي رائدا أيضًا في أولى عمليات جراحات التجميل[3]!!
هذا وقد خرَّجت قرطبة للمسلمين وللعالم أجمع - غير ما ذكرنا - علماء كثيرين، وفي شتى المجالات، ولا يتسع المجال هنا لجمعهم، ويكفي أن نذكر أنه كان منهم غير ما سبق: ابن باجة، وابن طفيل، ومحمد الغافقي (أحد مؤسسي طب العيون)، وابن عبد البر، وابن رشد، والإدريسي، وأبو بكر يحيى بن سعدون بن تمام الأزدي، والقاضي القرطبي النحوي، والحافظ القرطبي، وأبو جعفر القرطبي، وغيرهم كثير.


وإن هذا ليحدونا إلى أن نتعرف على السبيل الذي جعل قرطبة تُخرِّج كل هؤلاء العلماء، والذين أضاءوا عصور الظلام في أوربا، وبددوا الجهل والتخلف، وأفادوا الإنسانية في أوربا والعالم الإسلامي، وقادوها إلى الرفعة والمدنية.


وأعني: السبيل الذي جعل من قرطبة عاصمة عالمية للحضارة العلمية والمدنية.


التعليم والمكتبات في قرطبة

كان للخلفاء دور كبير في إثراء الحياة العلمية في قرطبة، فلم يهملوا الجانب الثقافي والمعرفي، والذي ولعوا به ولعًا قبل غيرهم.. وكم كان في قرطبة من خلفاء علماء، ووزراء حكماء!
فقد كان الخليفة عبد الرحمن الناصر (300 - 350 هـ/ 913 -962م) ذا ولع وحب شديد للعلم والمعرفة.. وفي صورة تعبر عن ذلك أن الإمبراطور البيزنطي قسطنطين السابع لم يجد شيئًا يتقرب به إلى قلب الناصر حينما عزم على عقد معاهدة معه سوى أن يهديه كتابًا جديدًا لم يعرفه من قبل، وهو كتاب ديسقوريدس، وكانت هذه النسخة رائعة، حيث كتبت بحروف من ذهب وزينت برسوم جميلة[4]!!


وإن حب الناصر للكتب هو الذي جعله يهتم بمكتبة القصر كثيرًا، ويقوم بتزويدها بكل ما هو نفيس من الكتب.


ولما تولى الحُكم الخليفة الحكم بن عبد الرحمن الناصر في سنة 350هـ / 962م جعل كل هدفه السير بالأندلس قدمًا في طريق العلم والمعرفة، فوجه جل اهتمامه إلى بناء وتعمير مكتبة قرطبة أو مكتبة القصر.


ولأنه لم يكن للمكتبات عند إنشائها أبنية مستقلة خاصة، بل كانت المكتبة جزءًا غير مستقل من مبنى المؤسسة التي تنشأ في كنفها، فكانت مكتبة الحكم تشغل أحد أجنحة قصر الخلافة بقرطبة، وكان هذا الجناح هو ما يعرف في التاريخ باسم مكتبة الحكم، أو مكتبة قرطبة الأموية.
وعندما ضاقت غرف المكتبة بما تحويه من كتب، علاوة على عدم استيعابها للزيادة المطردة من الكتب، كان من الضروري أن تنقل المكتبة في مكان آخر، وقد استغرقت عملية النقل هذه ستة أشهر كاملة!!
وكان المبنى الجديد يضم عددًا من الأقسام، منها: قاعة الكتب، وهي أصل المكتبة، ومركز البحث والتأليف، ومركز النقل والترجمة، ومركز التدقيق والمراجعة.


أما وظائفها الخاصة فكانت على النحو التالي:


1- المكتبة:

وتشمل القاعة الرئيسية في مبنى المكتبة، وكانت تحوي عددًا كبيرًا من الكتب التي كان يجمعها الأمراء من كل حدب وصوب.
ولقد جمع الحكم من الكتب ما لا يحد كثرة ولا يوصف نفاسة، وصلت على وقته 400.000 مجلد، استغرق نقلها ستة أشهر.. ووصل عدد فهارس المكتبة فقط في أسماء دواوين الشعر 44 فهرسا، بكل فهرسة عشرون ورقة.
واعتنى الحكم بهذه الكتب عناية كبرى، فجمع في قصره حذاق النساخين، والمهرة في الضبط، والمجيدين في التجليد صيانة لكتبه.
وقد اعتمدت المكتبة على مجموعة مصادر في بناء وتنمية مجموعاتها من الكتب، كان منها: الشراء، ويعتبر المصدر الأهم في جمع الكتب؛ حيث كان الحَكم ينفق في شراء الكتب ونوادر المخطوطات أموالا طائلة!!
وعلى سبيل المثال بعث الحكم في طلب كتاب الأغاني إلى مصنفه أبي الفرج الأصفهاني، ودفع إليه فيه ألف دينار، فأرسل إليه أبو الفرج نسخة مكتوبة من هذا الكتاب قبل أن يظهر في بغداد[5]!!
وكذلك ألف له كتابًا يتضمن أنساب قومه بني أمية، وقد فعل الحكم ذلك أيضًا مع القاضي أبي بكر الأبهري المالكي في شرحه لمختصر ابن عبد الحكم، ومع محمد بن القاسم بن شعبان بمصر، ومحمد بن يوسف الوراق الذي صنف له كتابًا ضخمًا في مسالك إفريقية وممالكها، وأبي عبد الله محمد بن أحمد بن يحيى بن مفرج[6].
وكان يعين هؤلاء الكتاب بالمال على كتابة مصنفاتهم، كما كان لا يتردد في مساعدتهم عن طريق إعارتهم ما كانوا يحتاجون إليه من مصادر؛ فقد أرسل إلى الكاتب المصري أبي سعيد عبد الرحمن بن يونس صاحب كتاب (تاريخ مصر والمغرب) كتابا، استعان به هذا المؤرخ في تصنيف كتابه المذكور، في القسم الخاص بالأندلس[7].
ولقد كان من المصادر أيضًا غير الشراء: الهبات والهدايا؛ فكان العلماء يهدون الكتب لمن يطلبها على سبيل الهبة، حتى ولو كان المطلوب مخطوطًا أصليًا نادرًا.. وفضلاً عن ذلك فقد كانت تأتى كتب أجنبية من البلدان الأخرى هدية إلى حكام المسلمين.
ومن المصادر أيضًا: الوقف؛ وكان يمثل مصدرًا مهمًا في إثراء المكتبة بالمجموعات القيمة من الكتب، حيث كان الحكام والمحكومون شديدي الرغبة في وقف الكتب على مختلف معاهد التعليم، وإنشاء المكتبات بها؛ حتى ينالوا الأجر والثواب من الله على ذلك، وإفادة طلاب العلم من جهة أخرى[8].


2- مركز البحث والتأليف:

وهو يشمل فئات من الباحثين والمؤلفين، كل على حسب تخصصه، فكان فيها من العلماء المتخصصين في مختلف فروع المعرفة، وكان يتم تكليف بعض علماء الأندلس للتأليف في تخصصات معينة، ومن أمثلة ذلك: تكليف محمد بن الحارث الخشني لتأليف بعض الكتب للمكتبة، كان منها كتاب (تاريخ قضاة قرطبة)، وكتاب (فضائل الإمام مالك)، وغيرها كثير[9].


3- مركز النقل والترجمة:

كان مركز النقل والترجمة يُزود المكتبة بالمصنفات في الحضارة الأجنبية والفكر العالمي، ومن ثم اهتم القسم بترجمة أمهات الكتب من اللغات الأخرى إلى اللغة العربية، وقد عمل في قسم الترجمة نخبة ممتازة من المترجمين الذين يجيدون اللغات الأجنبية، خاصة اليونانية واللاتينية، وكان منهم: عبد الله الصقلي، ومحمد النباتي، ومحمد بن سعيد، وعبد الرحمن بن إسحاق بن الهيثم، وغيرهم.. وكان أكثر العلوم التي ترجمت في المجالات العلمية: الطب والهندسة والفلك[10].


4- مركز التدقيق والمراجعة:

كانت مهمة هذا القسم مراجعة الكتب وتصحيحها وتهذيبها، سواء المؤلفة أو المترجمة؛ حتى تصبح خالية من النقص العلمي أو العيب المادي، وكان يعمل في هذا القسم نخبة من العلماء المعروفين، والمشهود لهم بغزارة علمهم وتميزهم في كل تخصص.. وكان من هؤلاء العلماء: الرياض محمد بن يحيى بن عبد السلام الأزدي، وأبو محمد بن أبي الحسن الفهري القرطبي، ومحمد بن معمر الجياني[11].


5- إدارة المكتبة:

شملت المكتبة فِئات من العاملين، منهم فئة المؤلفين، وفئة المترجمين، وفئة منتجي الكتب، وتشمل النساخين ومن في حكمهم، كالمراجعين والمجلدين والمزخرفين، وفئة المتخصصين في شئون المكتبات، كالقائمين بالأعمال الفنية والخدمات المكتبية، بالإضافة إلى فئة العمال والسعاة الذين يقومون بعمليات الأمن والحراسة، وتنظيم أثاث المكتبة.
وكان الأفراد في كل فئة يعملون تحت إشراف مسئول يتولى شئون العمل من حيث توزيعه عليهم وتجهيز مستلزماته، وكان يشرف على هؤلاء جميعًا من الناحية العلمية والإدارية "خازن".. كانت وظيفته تماثل وظيفة رئيس المكتبة أو مدير المكتبة، وكان يتولى وظيفة الخازن أحد أساطين العلماء، أو أحد مشاهير الأدباء، بحيث يسمح عمله وتتيح ثقافته وخبرته القيام بهذه المسئوليات الجسام على أكمل صورة.
وعلى هذا.. كان للحياة العلمية على المستوى العام في قرطبة لونٌ آخر.. وشأنٌ جديدٌ، لم تعهدهما تلك البقعة الجغرافية في زمانها.






رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : 2  
قديم 13-08-2013, 10:01 AM
الصورة الرمزية الطعنه الاخيره
عضو
الطعنه الاخيره غير متواجد حالياً
 





عدد التعليقات: 0 تعليق
حدث بيانات الدوله!
افتراضي رد: قرطبة دار العلوم .. د/ راغب السرجاني

موضوع روعة جزاكى الله كل خير





رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه للموضوع: قرطبة دار العلوم .. د/ راغب السرجاني
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
قائمة بأسماء الجامعات والكليات المعتمدة في الامارات دار الزين منتدى التوظيف والتطوير 3 15-03-2016 05:46 PM
العلوم الطبية في حضارة الإسلام .. د/ راغب السرجاني slaf elaf منتدى الشريعه 5 24-08-2013 01:57 AM
قرطبة الألفية الثالثة .. د/ راغب السرجاني slaf elaf المنتدى العام 0 31-07-2013 07:56 PM
المنهج الإسلامي في دراسة الطب .. د/ راغب السرجاني slaf elaf منتدى الشريعه 2 22-03-2013 12:22 PM
أفضل الاستشارات للدراسة في ماليزيا نور أسيا منتدى التوظيف والتطوير 7 09-10-2010 02:49 AM


الساعة الآن 11:32 AM.


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.
جميع الحقوق محفوظه لموقع منتديات سوق الدوحة
المشاركات المنشورة بالمنتدى لاتعبر بالضرورة عن رأي إدارة المنتدى ولا تمثل إلا رأي أصحابها فقط
يخلي موقع سوق الدوحة وإدارته مسئوليتهم عن اي اتفاق او عملية تجاريه تتم عن طريق الموقع وتقع المسئولية على الاعضاء انفسهم